محمد بن وليد الطرطوشي

107

سراج الملوك

وإني لأقول لك هذا ، وإني لأخاف عليك أشدّ الخوف يوم تزلّ الأقدام ، فهل معك - رحمك الله - مثل هؤلاء القوم من يأمرك بمثل هذا ؟ فبكى هارون بكاء شديدا حتى غشي عليه ، فقلت : ارفق بأمير المؤمنين . فقال : يا ابن أم الربيع ، قتلته أنت وأصحابك وأرفق به أنا . ثم أفاق ، فقال : زدني ، فقال : يا أمير المؤمنين ، بلغني أنّ عاملا لعمر بن عبد العزيز شكا إليه سهرا ، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز : يا أخي اذكر سهر أهل النار في النار ، وخلود الأبد ، فإنّ ذلك يطرد بك إلى ربك نائما أو يقظان ، وإياك أن تزلّ قدمك عن هذا السبيل فيكون آخر العهد بك ، ومنقطع الرجاء منك . فلما قرأ كتابه طوى البلاد حتى قدم عليك ، فقال له عمر : ما أقدمك ؟ قال : لقد خلعت قلبي بكتابك ، لا ولّيت لك ولاية أبدا حتى ألقى الله تعالى . فبكى هارون بكاء شديدا . ثم قال : زدني ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن العباس عمّ النبي صلى اللّه عليه وسلم جاءه فقال : يا رسول الله ، أمّرني على إمارة ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « يا عباس يا عمّ النبي ، نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها ، إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة ، فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل » « 1 » ، فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا . ثم قال : زدني يرحمك الله ، قال : يا حسن الوجه ، أنت الذي يسألك الله تعالى عن هذا الخلق يوم القيامة ، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل ، وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غشّ لرعيّتك ، فإنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنّة » « 2 » فبكى هارون بكاء شديدا . ثم قال : عليك دين ؟ قال : نعم ، دين لربّي لم يحاسبني عليه ، فالويل لي إن سألني ، والويل لي إن ناقشني ، والويل لي إن لم يلهمني حجّتي ، قال : إنما

--> ( 1 ) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى في ترجمة العباس بن عبد المطلب عن الضحاك بن حمزة مرسلا ( ج 4 / ص 27 ) ، والجزء الثاني من الحديث رواه الطبراني في الكبير عن شداد بن أوس ( كنز العمال ج 6 / 14700 ) . ( 2 ) رواه مسلم بلفظ : ( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) ، وفي رواية ( فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة ) ، والحديث صحيح ، ( الجامع الصغير ج 2 / 151 ) .